الباحثة ملاك الجهني: في مراحل الضعف الحضاري لأمتنا يضعف تأثير الرؤية الكونية الإسلامية على الفرد والمجتمع

الباحثة ملاك الجهني: في مراحل الضعف الحضاري لأمتنا يضعف تأثير الرؤية الكونية الإسلامية على الفرد والمجتمع

قالت الأستاذة ملاك الجهني، المحاضرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: الرؤية الكونية الإسلامية حقائقها مبثوثة في الوحي، وكل ما علينا هو تنظيمها وعرضها منهجيًا، وأن التأخر في العرض والتنظيم المنهجي لا يلغي حقيقة وجودها وحقيقة تمثل المسلمين لها، كما لا يلغي تأخر تدوين علم النحو العربي عدم وجود قواعده واستعمالها في اللسان العربي.

جاء ذلك خلال الأمسية الفكرية التي ينظمها مجلس ضوء الثقافي تحت عنوان: "الرؤية الكونية وانعكاساتها في الفكر والسلوك"، والتي قد عقدت مساء يوم الخميس في 24/2/1438هـ الموافق 24/11/2016م في قاعة المقصورة بمدينة الرياض.

وافتتحت الجهني الأمسية بترحيبها بالحاضرات، ثم طرحت سؤالا محوريا، حول إمكانية خلو الوعي البشري من تصورات، أي تصورات؟

وأكدت الجهني عدم إمكانية خلو الوعي من تصورات حول الوجود، وعلته والغرض منه وغايته، موضحة مفهوم الرؤية الكونية، وشمولية المفهوم. مشيرة إلى أنه وإن لم يظهر كمصطلح إلا متأخراً نسبياً، لكنه موجود كحقيقة في الوعي والفكر الإنساني.

وقدمت عرضاً سريعاً لتاريخ المصطلح ومرادفاته في الفكر الغربي، والتعريفات المطروحة للمفهوم من قبل  فلاسفة الحضارة، ومحورية مفهوم (الاعتقاد) في المفاهيم المشكلة للرؤية، ثم تحدثت عن أنواع الرؤى الكونية (أسطورية، علمية، فلسفية، دينية)، وقارنت بين خصائص كل رؤية من هذه الرؤى، وتأثيرها في الحضارات المتمثلة لها.

كما تحدثت الجهني عن مكونات الرؤية الكونية (تصورات حول الوجود، وأسلوب المعرفة، والقيم)، وكيف تترابط هذه المكونات ببعضها البعض، وبينت مستويات الرؤية الكونية (تصور، حكم، موقف) من الوجود.

وانتقلت بعد ذلك لبيان أهمية الرؤية الكونية في (توجيه التصورات، تحديد الأهداف، توظيف القدرات والإمكانات)، وكيف تتحقق فاعلية الرؤية في الفكر والسلوك، وتأثير عنصر (الاتساق) في فاعلية الرؤية، وهذا الاتساق يكون داخليًا في بنية الرؤية ومكوناتها، واتساقًا خارجيًا بين الرؤية والواقع.

ثم تحدثت الأستاذة الجهني عن الرؤية الكونية الإسلامية، مؤكدة أن حقائقها مبثوثة في الوحي، وكل ما علينا هو تنظيمها وعرضها منهجيًا، وأن التأخر في العرض والتنظيم المنهجي لا يلغي حقيقة وجودها وحقيقة تمثل المسلمين لها، كما لا يلغي تأخر تدوين علم النحو العربي عدم وجود قواعده واستعمالها في اللسان العربي.

وتطرقت إلى ذكر أن توحيد الله تبارك وتعالى، بوصفه قاعدة الرؤية الكونية الإسلامية، وكيف يرتبط توحيده بمكونات الرؤية الكونية المتصلة بـ(الوجود، المعرفة، والقيم)، وكيف تمثل هذا في وحدة الحقيقة، ووحدة القيم.

بعدها تناولت الأستاذة ملاك أثر الرؤية الكونية الإسلامية في الفكر والسلوك، وعلى الجانب الفردي أو الاجتماعي، مشيرة إلى  جيل الصحابة رضوان الله عليهم كأنموذج مجسد لفاعلية الرؤية الكونية الإسلامية،  ومن النماذج الفردية في تحول الرؤية وتأثيرها شخصية الخنساء، وعرجت إلى ذكر انعكاس الرؤية في أخلاقيات التجار المسلمين، وفي ثقافة الوقف بالإسلام، وفي الجانب الفكري اختارت المحاضرة مقدمة ابن خلدون أنموذجًا لانعكاس الرؤية الكونية الإسلامية في الفكر.

ومن ثم ذكرت ضعف تأثير الرؤية الكونية الإسلامية في مراحل الضعف الحضاري، ومظاهر وأسباب هذا الضعف، وأوضحت ما أسمته بالرؤية الهجينة المكونة من أخلاط وأمشاج فكرية مختلفة، وكيف تنعكس في الفكر والسلوك المتمثل لها عن وعي أو بغير وعي.

وكان حديثها التالي: عن مفهوم الرؤية الكونية الغربية، وكيف كان (إعلاء الظواهر الطبيعية وإضعاف الظواهر الأخرى) قاعدة لهذه الرؤية المادية، وعن ارتباط المنهج التجريبي والوضعي في العلوم الإنسانية بالرؤية الميكانيكية للعالم عند نيوتن، ومفهوم الحتمية ومركزية الإنسان، ونظريات التطور وتأثيرها، وفاعلية واتساق مكونات الرؤية الكونية الغربية في الفكر والقيم والسلوك حتى الثلث الأول من القرن العشرين، وكيف بدأ يتخلخل هذا الاتساق مع ظهور النظريات العلمية الجديدة كنسبية أنيشتاين، ونظرية الكوانتم، وتأرجح الفكر الغربي بين منظورين.

ثم عرضت لياكوب بخأفن وكتابه (الدين والخرافة والحق الأمومي) بوصفه أنموذجًا لانعكاس الرؤية الكونية الغربية في تفسير التاريخ البشري، وبأن بخأفن تأثر في بناء نظريته حول مراحل الحضارة الإنسانية، بنظرية دارون حول التطور، ونقل بخأفن فكرة التطور من البيولوجيا لتاريخ الحضارة البشرية.

واختتمت المحاضرة بالتساؤل حول إمكانية تغيير الرؤية الكونية: هل يمكن تغيير الرؤية الكونية ؟ قائلة: أن الرؤية الكونية تستغرق فترة طويلة للتشكل والاستقرار في الوعي الفردي والجمعي، وتمثل الرؤية الإسلامية التي تشكلت في ثلاث وعشرين سنة حالة خاصة، وأن النظريات العلمية الجديدة لم تتمكن من إزاحة الرؤية الكونية السائدة في الغرب، والمؤثرة في أبنيته الفكرية وظواهره السلوكية لصعوبة التغيير السريع للرؤية، واستشهدت بمقولة لمؤلفي كتاب (العلم في منظوره الجديد) روبرت.م.أغروس وجورج.ن. ستانسيو: "النظرة الكونية من الحيوية بحيث لا يُستطاع تغييرها بسهولة أو بسرعة، حتى لو توفرت أدلة قاهرة تدعو لإحداث تغيير، وما يحدث بدلاً من ذلك دائمًا هو نشوء نزعة إلى تطويع المعارف الجديدة بإلباسها قسرًا ثوب النظرة القديمة".