التوظيف السياسي لقضايا المرأة

التوظيف السياسي لقضايا المرأة

من المتفق عليه أن المرأة في عالمنا العربي تعاني من مشكلات عدة, وتضيع بعض حقوقها، وتُغيب في مجاهيل النسيان, ويتفاوت نصيبها من الحقوق المهضومة والمُغيبة على حسب كل قطر أو بلد. 

كما يتفاوت نصيب المرأة من المشكلات التي تعاني منها، على حسب درجة ثقافتها ومعرفتها ونضجها العلمي, داخل القطر الواحد, وربما داخل الأسرة الواحدة, نتيجة موروثات وتربويات فرضتها البيئة، واستسلم لها الجمهور ظنًا أنها من الدين.

وليست المرأة بدعًا في ذلك, فالرجل صنو المرأة في بيئتنا العربية, بل ربما هو أكبر منها نصيبًا من ناحية سلب الحقوق والتعدي على حرياته, كنتيجة أيضًا للمناخ السياسي والثقافي المغلق الذي يغلف الكيانات العربية كلها أو غالبها.

ومن ثم فالإسلام كدين براء من التعدي على حقوق المرأة, كما هو برئ من هضم حقوق الرجل في بيئتنا العربية, وإنما تقع التبعة على كل المكونات السياسية الحاكمة والاجتماعية الفاعلة في العالم العرب والإسلامي؛ لإهمالها أو تحقيرها لقضايا المرأة, كما هو حالها مع قضايا الرجل أيضًا.

حاصل القول: إن معاناة المرأة في العالم العربي والإسلامي هي فرع من معاناة عامة تلحق الجميع, ولكن الفارق بينهما أن هناك من استغل قضايا المرأة، فأوضع خلالها مبتغيًا الفتنة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا, وكان من بين أظهرنا سمّاعون لهم.

والغرب على وجه الخصوص هو المعني هنا, إذ تمكن من سرقة ما يسمى بأحقية الدفاع عن حقوق المرأة العربية المسلمة, وأحسن توظيفها سياسيًا لخدمة مصالحه الاستعمارية, ومن ثم نراه وقد ذهب يدس أنفه في شؤون الدول العربية والإسلامية على تكأة تلك القضايا.

والتوظيف السياسي يعنى في إطاره النظري استخدام جهة ما قضية ما لتحقيق مصلحة سياسية ما، وبمعنى آخر هو استفادة طرف أول في معادلة سياسية، من حدث معيّن بغية الوصول إلى هدف سياسي معيّن محدد سلفًا، يصب في مصلحته ويمانع الطرف الثاني في المعادلة من الإذعان له طواعية.

ويرتبط مفهوم التوظيف السياسي بمفاهيم سياسية أخرى، ومن أهمها مفهوم القوة؛ والتي يعرفها علماء السياسة بأنها التأثير على الآخرين للوصول إلى أهداف محددة. وهناك من يعرفها بأنها القدرة والفاعلية على توظيف المصادر المتاحة في فرض الإرادة، وتحقيق الأهداف والمصالح والتأثير في الآخر المقصود.

وقضايا المرأة من أكثر القضايا المطروحة على الساحة الدولية، والتي يتم استغلالها من قبل الغرب في الضغط والابتزاز السياسي, وربما في تبرير التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية وشن الحروب وإسقاط العروش.

والأمثلة على ذلك كثيرة, فقد حاولت الولايات المتحدة استغلال قضايا المرأة، أو ما يسمونه باضطهاد المرأة الأفغانية لتبرير عدوانهم على أفغانستان, حيث ألقت زوجة الرئيس الأمريكي في ذلك الحين جورج بوش خطابًا إذاعيًا في 17/11/2011م، قالت فيه: "إن المتحضرين في العالم أجمع مصابون بالذعر، ليس فقط لأننا نتعاطف مع النساء والأطفال في أفغانستان، بل وكذلك لأنه يمكننا أن نرى في أفغانستان، كيف يبدو ذلك العالم، الذي يريد أن يجبرنا الإرهابيون للعيش فيه. إن الحرب على الإرهاب هي أيضًا حرب من أجل حقوق المرأة وكرامتها".

وبعد إزاحة نظام طالبان، بررت الحرب والعدوان، وربطت بينها وبين قضايا المرأة فقالت: "بعد عدة سنوات أمضتها النساء الأفغانيات كسجينات في بيوت رجال طالبان، عادت المرأة الأفغانية إلى العمل، وأصبحنا نشاهد المرأة الأفغانية تشارك في الأولمبياد، وهي تلبس بنطالًا وقميصًا وتمارس حقها في الحرية"!

كما دأبت وزارة الخارجية الأمريكية في كل تقرير سنوي، يصدر عنها على ذكر المجتمع السعودي, والمطالبة بإلغاء ما وصفته بجميع أشكال التمييز ضد المرأة السعودية.

والذي يجعلنا نذهب إلى القول بأن هذه الممارسات لاتعدو أن تكون جزءًا من توظيف سياسي غربي، للضغط على البلاد العربية والإسلامية أو تبرير فج لممارساتها العدوانية, أن المرأة في بلاد الغرب تعاني أكثر من نظيرتها العربية مجتمعيًا, ولاتكاد تسمع لهذه الحكومات صوتًا, بل ترى المرأة الغربية أنموذجًا مبهرًا بعدما نالت حقوقها القانونية!

فنحو 4,4 ملايين امرأة أمريكية يتعرضن للإيذاء البدني أو الاعتداء الجنسي سنويًا، وخلال كل 15 ثانية هناك امرأة في الولايات المتحدة الأمريكية تتعرض لنوع ما من الاعتداء البدني أو الجنسي أو العاطفي. (صحيفة الرياض, العدد 13381).

وأعلن مركز الضحايا الوطني الذي يناصر حقوق ضحايا جرائم العنف أن معدل الاغتصاب في الولايات المتحدة أصبح يبلغ 1.3 امرأة بالغة في الدقيقة الواحدة؛ أي 68000 امرأة في العام. مضيفًا أن واحدة من كل ثماني بالغات في أمريكا تعرضت للاغتصاب ليكون إجمالي من اغتصبن اثني عشر مليونا، ومائة ألف امرأة على الأقل.(صحيفة صوت الكويت, العدد 542).

وكشف مسح استطلاعي أعدته وزارة الداخلية البريطانية أن 80% من ضابطات الشرطة، يتعرضن للمضايقات الجنسية خلال نوبات العمل الرسمية.(صحيفة الشرق الأوسط, عدد 5170).

هذا فضلًا عن أن المرأة العربية تعاني ويلات تحت مظلة الاحتلال الصهيوني، فهي تحرم أحيانًا من حق الولادة حين تفاجئها نقاط التفتيش الصهيونية، وتجبرها على الولادة في العراء!

كما تحرم المرأة الفلسطينية من أنوثتها وإنسانيتها حين يتم سجنها بدلًا من ابنها أو من زوجها المطلوب، وحين يتم تفتيشها عارية بحضور حراس رجال, ولاحديث عن تلك الجرائم, وإنما يشغلهم غربًا الختان والحجاب والتعدد!

 

وفي إطار هذا التوظيف السياسي لقضايا المرأة تبرز عدة آليات يستخدمها الغرب, ومن أبرزها:

 

أولًا: الاعلام العالمي, والذي يلعب دورًا أساسيًا في هذا الصدد, فقد أدانت الآلة الإعلامية الغربية  فرض ارتداء الحجاب على المرأة المسلمة في أفغانستان ـ أثناء حكم طالبان ـ واعتبرته مصادرة لحرية المرأة، في الوقت الذي لم يصدر عنها ما يدين قيام السلطات التركية، بفرض التبرج على كل امرأة، ترغب في الالتحاق بالمدرسة أو الجامعة أو العمل بالحكومة، على الرغم من أن ذلك هو اعتداء على حرية المرأة وبشكل سافر.

ثانيًا: النشاط السياسي الرسمي, ومن أمثلته مطالبة وزارة الخارجية الأمريكية في تقاريرها السنوية  السلطات السعودية بالقضاء على ما تصفه بجميع أشكال التمييز ضد المرأة في المجتمع, كما هاجم عدد من المسؤولين الأمريكيين السلطات السعودية وهددوا باتخاذ الإجراءات ضدها؛ بسبب ما وصفوه بمخالفتها للاتفاقيات والمعاهدات الدولية المعنية بقضايا المرأة, وفي مرحلة متقدمة بحث الكونجرس مستقبلالعلاقات السعودية الأمريكية، منتقدًا الأوضاع للسبب ذاته.

 

ثالثًا: المنظمات الدولية المعنية بالقضايا الحقوقية, حيث يتم استغلال مقررات الأمم المتحدة،  ومؤتمرات المرأة والاتفاقات والمعاهدات الدولية, وفي مقدمتها اتفاقية سيداو للتدخل الخارجي في شؤون الدول العربية، تحت شعار الحرية والمساواة وحقوق الإنسان.

وتجد في مقدمة تلك المنظمات, العفو الدولية والتي كتبت تقارير عن المرأة السعودية، بأنها تعاني من التمييز في المجتمع, وعضدتها منظمة هيومن رايتس وتش الدولية، والتي طالبت بإصدار مرسوم ملكي يوقف تمييز المرأة في المجتمع, وكذلك هيئة الخبراء التابعة لمجلس حقوق الإنسان في هيئة الأمم المتحدة، والتي أصدرت عدة تقارير تنتقد فيها أوضاع المرأة في المجتمع السعودي.

رابعًا: مؤسسات المجتمع المدني الداخلي, لاسيما المعنية منها بالقضايا الحقوقية بوجه عام, والقضايا  النسوية على وجه الخصوص, حيث يتم دعمها بالتمويل الخارجي اللازم، وربطها بحبل سُري بنظيرتها الغربية, ومن ثم تتحرك في اتجاهات تخدم مصالح الجهة المانحة والداعمة.

 خامسًا: النسويات المتغربات المستعدات لخدمة القضايا الغربية, حيث يتم تجنيد العديد منهن, لاسيما اللاتي لهن موقف نفسي وفكري وعقدي سلبي تجاه الإسلام, للعب دور الثائر على التقاليد العربية والعقائد الإسلامية في مجال حقوق المرأة, ومن بينهن الفرنسية ذات الأصل الإيراني شهدورت جافان، والهولندية ذات الأصل الصومالي أيان هرسي علي.

 

ويبقى السؤال عن الأهداف والغايات التي تستهدفها الدول الغربية، وهي تمارس عمليًا التوظيف السياسي لقضايا المرأة في الدول العربية والإسلامية، والتي يمكن تحديدها في:

 

أولًا: فرض السيطرة السياسية الغربية على الأنظمة الحاكمة والشعوب العربية، والتحكم في مركز  القرار السياسي وصناعته في دول العالم العربي والاسلامي لخدمة المصالح الغربية، على حساب مصالح الشعوب الإسلامية وثقافتها ومعتقداتها الدينية.

فالحكومات الغربية تضغط على الدول العربية والإسلامية؛ من أجل إجراء تغييرات اجتماعية تخص المرأة، وتتخذ من قضايا المرأة أداة ضغط، تساوم بها الدول الإسلامية للرضوخ لما تمليه عليها من سياسات.

ثانيًا: تشويه الثقافة العربية والديانة الإسلامية، والتمكين للثقافة الغربية, وفي هذا السياق يمكن  فهم التركيز الغربي على بعض القضايا، مثل: تعدد الزوجات، والحجاب والنقاب، أو ختان المرأة، حيث أصبحت هذه المواضيع بمثابة قنطرة العبور الغربية لطعن الدين الإسلامي.

ثالثًا: تهيئة البيئة العربية والإسلامية لنشر نوعية محددة من الثقافة الغربية المغايرة؛ حيث ينظر  الغرب إلى الإسلام على أنه حجر عثرة, فهو على الرغم من كل ما بذل لتطويعه ودمجه في قطار العولمة السريع، إلا أنه يأبى إلا الاحتفاظ بمكوناته وعزته العقدية, التي ربما لا يعكسها حال الأمة كأنظمة وحكومات, ولكنها ما زالت ظاهرة بوضوح  في أبناء الأمة كمكون جمعي حضاري.

 

وفي النهاية نقول: إنه لا توجد قضية اجتماعية يتم التلاعب بها واستخدامها بشكل انتقائي وانتهازي سياسيًا، مثلما يتم التعامل مع قضايا المرأة، ونحن لا نحتاج إلى جهد كبير للإقرار بتخلف وضع المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية, وهو التخلف الناجم عن تخلف الهياكل السياسية والاجتماعية, بيد أن المهم بالنسبة لنا هو إيجاد حيز من التحركـ يسمح بالعمل على تغيير ذلك الواقع الاجتماعي في السياق العربي والإسلامي، دون الوقوع في فخ الابتزاز السياسي  الغربي.