نظرية المعرفة الأنثوية (الإبستمولوجية الأنثوية)

نظرية المعرفة الأنثوية (الإبستمولوجية الأنثوية)

نظرية المعرفة ( الإبيستيمولوجيا):

تعتبر نظرية المعرفة إحدى المباحث الكبرى فيالفلسفة التي تدرس طبيعة وشروط تشكل المعرفة، وشروط بنائها, وتحاول أن تجيب عنالأسئلة: ماهي المعرفة؟,  كيف يتم الحصول على المعرفة؟ ما هي وسائل إنتاجالمعرفة؟ وما وجه ارتباطها بالمصطلحات القريبة مثل: الحقيقة، والاعتقاد؟

وفي اللغة الإنكليزية تستعمل كلمة إبيستيمولوجي(Epistemology)، للدلالة على علم المعرفة،وهي مؤلفة من جمع كلمتين يونانيتين: episteme بمعنى: معرفة، وlogos بمعنى: دراسة.

"ويعتقد أن من صاغ هذا المصطلح هو الفيلسوفالإسكتلندي جيمس فريدريك فيرير".

وهناك عدة مدارس تتناول نظرية المعرفة ومضامينهابمداخل مختلفة: فالتجريبيون مثلًا يردون المعرفة إلى الحواس، بينما العقليون يرونمصدرها العقل لا الخبرة الحسية.

وكذلك تختلف المذاهب في مدى المعرف، فمنها مايقول: إن العقل يدرك المعرفة اليقينية، ومنها ما يجعل المعرفة كلها احتمالية.

الإبستمولوجية الأنثوية:

وهي نزعة فلسفية نشأت في الغرب، في مطلعثمانينيات القرن العشرين، تحاول أن تبرز الأنثوية في المعرفة، وتفعيل جوانبومجالات مختلفة خاصة بالأنثى، ترى أنه قد جرى تهميشها وإنكارها بحكم السيطرةالذكورية.

وتعرّف موسوعة جامعة ستانفورد الإبستمولوجيةالأنثوية بأنها: "الإبستمولوجية التي تدرس الكيفية التي بموجبها يمارس النوعالجنسي تأثيره على الإدراك المعرفي، كذات معرفية والممارسة التي بموجبها يتمالحصول على المعرفة وضبطها".

الفروض الرئيسية للإبستمولوجية الأنثوية:

وتنطلق أنثوية المعرفة من ثلاثة فروض أساسيةوهي:

الفرضية الأولى: تتمثل في كون منهجية العلمالحديث, أو نظرية المعرفة السائدة، وامتدادها التاريخ من بدايات تكون المعرفة في أطوارهاالنظرية الأولى، لا تعدو أن تكون تجسيدًا للقيم الذكورية، واستبعاد كل ما هوأنثوي.

الفرضية الثانية: تتمثل في كون النساء يتفوقنعلى الرجال, فالجنس البشري (الرجال والنساء) مشترك في القدرات العقلية, ويتميزالنساء بمعرفة الكثير من الأمور التي يجهلها الرجال، لأن لديهن القدرة على الحدسالتي تساعدهن على المعرفة غير الاستدلالية، الممثلة في إدراك مشاعر الآخرينودوافعهم و أحاسيسهم, وهو ما يفتقده الرجال.

الفرضية الثالثة: تذهب الإبستمولوجية الأنثويةإلى أن المعرفة تعكس الأفاق الخاصة للذات العارفة, من حيث إن لها الدور المحوري فيعملية المعرفة, حيث تنتهي الإبستمولوجية الأنثوية إلى أن الموقف المعرفي لذاتالأنثى يختلف عن الموقف المعرفي لذات الذكر.

وهي بذلك تحاول إقحام الذات العارفة في المنهجيةالعلمية، باعتبارها آلية من آليات البناء المعرفي, فالباحث ـ كما تفترضالإبستمولوجية الأنثوية ـ يجب أن يدخل مختبره محملًا بقيم وأخلاق مجتمعه، وهو مامن شأنه أن يؤسس لموضوعية جديدة، يتداخل فيها الذاتي و الموضوعي.

ودللت الإبستمولوجية النسوية على ما ذهبت إليهمن تصورات وفرضيات بعدة دلالات على المستويين النظري والواقعي.

1/نظريًا: أن لغة العلم المعرفية ـ التي يدعينأنها اتخذت صبغة ذكورية ـ اتخذت لخدمة أغراض المركزية الذكورية، إذ تم إقصاءالنساء عن الإنتاج اللغوي، مما جعلهن عاجزات عن إنتاج معاني ومدلولات أنثوية ضمنالخطاب المعرفي العام.

2/ واقعيًا: التحيز الذكوري الشائع في الممارساتالعلمية، من قبيل تصميم مشروع البحث ليصل إلى نتائج تؤكد الهيمنة الذكورية، أو قصرعينات البحث في الظواهر الإيجابية على الذكورة، وفي الظواهر السلبية يتجه البحثأساسًا إلى الإناث.

الفرق بين الإبستمولوجية الأنثوية والحركة النسوية:

وتأسيسا على ما سبق عرضه فإن الإبستمولوجيةالأنثوية بتلك النزعة، وهذه الفروض، وتلك الدلالات، تتجاوز الحركة النسوية (Feminism) التي كانت لا ترى فروقًا في المعرفة بين الرجل والمرأة، ولكنهاكانت تعني تأكيد المساواة بين المرأة والرجل لإلغاء الفوارق النوعية بينالجنسين.

كما تتجاوز الإبستمولوجية الأنثوية بهذهالفرضيات ما يعرف بالنسوية الجديدة، أو نسوية ما بعد الحداثة التي تميزت بنقدالانفراد العقلاني للذكر ورفض مركزيته, ولم تتجاوزها إلى نقد النظرية المعرفيةوتأكيد تفوق الأنثى معرفيًا.

وتتجاوز كذلك الجنوسة (Gender) الذي لا يعني الفوارق الجنسية البيولوجية فحسب، بل يضيف إليهامجمل الأوضاع والخبرات والأدوار الاجتماعية التي تجعل الرجل رجلًا، والمرأة امرأة.

أهداف الإبستمولوجية الأنثوية:

 والإبستمولوجية الأنثوية تتغايا من وراءهذا الطرح عدة غايات وأهداف، لعل أهها:

1/الإجابة عن الأسئلة الإبستمولوجيا الأساسية،أي شروط المعرفة ومصادرها ومعاييرها ومنهاجها، وموقف العارف في العملية المعرفية،بمنظور نسوي خالص.

2/الكشف عن أن ادعاء الموضوعية العلمية كانمزيفًا إلى حد كبير بسبب التحيز الذكوري، وهو ما أنتج معرفة مشوهة منذ أرسطو وأفلاطون حتىعصرنا الحالي.

3/ البحث عن عناصر الأنثوية في واقع الممارسةالعلمية، وفي البحوث وفي الكشوف العلمية الراهنة لتأكيد التفوق الأنثوي وقدرتهنالعلمية.

4/ التأكيد على أن الأسس التي يقوم عليها المنهجالعلمي وهما: الفرض والملاحظة، أو النظرية والتجربة، ذكورية قاصرة إلى حد كبير؛لكونها تغفل عن الشعور والإحساس والعاطفة، وهي أدوات جد لازمة إذا ابتغينا منهجًامعرفيًا حاليًا من التحيز الذكوري.

الأنموذج البنيوي للإبستمولوجية الأنثوية:

وفي إطار بحث الإبستمولوجية الأنثوية عن إطاريحكم طرحها، ويقدمه في صورة نظرية تبدو متكاملة الأركان ذهبت إلى القول بهذهالتراتبية باعتبارها أنموذجًا بنيويًا متماسكًا لطرحها:

إذا كانت المعرفة تعكس الأفاق الخاصة للذات العارفة،فإن العارف مسؤول عما يعرفه، ومعرفة المرأة تختلف عن معرفة الرجل، من منظورربط المعرفة بالأخلاق، فالعملية المعرفية من المنظور النسوي تؤدي إلى الحريةوالمسؤولية والفضائل المتصلة بالإخلاص والتواضع والشجاعة، عكس الأطر المعرفية التييطرحها الذكور.

وهذا الأنموذج البنيوي ـ كما يرى دعاةالإبستمولوجية الأنثوية ـ من شأنه أن يحدث تغييرًا أعمق في إستراتيجيات البحثالعلمي، تمهيدًا لتغيير الفلسفة الكامنة خلفها من جذورها، كما أن من شأنه أن يغييرواقع الممارسات العلمية التي تحدث داخل جدران المختبرات، بما يتوافق والنظريةالمعرفية الأنثوية.

نقد الإبستمولوجية الأنثوية:

وفي إطار نقدنا للإبستمولوجية الأنثوية نذكر بعضالانتقادات، التي تهدم الأسس التي تقوم عليها، دون التعرض لما سوى ذلك من فروع، إذيكفي نقد الأصول والأسس لهدم معبد شبه النظرية المعرفية الأنثوية.

1/مفهوم الأساس الذي قامت عليه الإبستمولوجيةالأنثوية، وهو أن المعرفة تعكس الأفاق الخاصة للذات العارفة، من حيث إنّ لها الدورالمحوري في عملية المعرفة، يخلط بين الموضوع والذات، ويقود إلى إدخال التحيزوالتعصب والأراء والأهواء والميول الشخصية والذاتية إلى حلبة العلم، ومن ثم يفقدموضوعيته وحياده، وهي الأسس التي لا يمكن قبول المعرفة بدونها.

2/ أدخلت الإبستمولوجية الأنثوية مفاهيم أنثويةيتجرد منها الرجال ـ كما ادعت ـ متعلقة بالمشاعر والأحاسيس إلى الحقل العلميالتجريبي، وهذه القيم ليست محل اتهام، ولكن لا علاقة لها بالمجال العلمي التجريبيالذي يعتمد على آلتين محايدتين تمامًا هما: الاستقراء والاستنباط.

وبذلك الدمج النسوي المشوه، ستؤدي الأنثويةالإبستمولوجية إلى نتائج مرتهنة بمشاعر الباحث وحالته المزاجية المتقلبة، ولمتتحاكم إلى قواعد معرفية ثابتة، وهو ما يشكك في كل النتائج التي يمكن أن تخرج منالمختبر بهذا الإجراء. 

3/ التركيز على الذات الأنثوية باعتبارها تملكمن مفاتيح المعرفة والعلم، أكثر مما يملكه الرجل، يقود إلى تحيز معرفي أنثوي فيمقابل ما ادعت الإبستمولوجية الأنثوية من ذكورية المعرفة، وهكذا سقطت فيما رأت أنهخلل في نظرية المعرفة وسارعت في الحط من القيم الذكورية في مقابل إعلاء القيمالأنثوية!

4/ ادعاء الأنثوية الإبستمولوجية القائل بأنذوات النساء تختلف عن ذوات الرجال، إقرار بالاختلاف بين الرجل والمرأة، وبهذا تمحوكل ما تدعي النسوية أنها تناضل من أجله بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، بلوتسقط الإبستمولوجية الأنثوية ذاتها في تناقض، حينما تحاول أن تساوي بين المرأةوالرجل في المكانة والمعرفة العلمية.


المرجع:

موقع لها أون لاين