صندوق السكان واستغلال أهل الدين

صندوق السكان واستغلال أهل الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

صندوق السكان واستغلال أهل الدين

 أسماء عبد الرازق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:

ففي مطلع القرن الميلادي الحالي اقترح صندوق الأمم المتحدة للسكان على الأمانة العامة للأمم المتحدة التعامل مع القيادات والمنظمات الدينية لصناعة التغيير الثقافي والاجتماعي في المجتمعات المتدينة وتطويعها لتتقبل برامج الصندوق المبنية على برنامج عمل مؤتمر السكان الثالث[1]، إلا أن الأمانة العامة للأمم المتحدة تخوفت من تبني الفكرة وتركت الأمر للصندوق ليجربه قبل أن يبت في اعتماده كوسيلة من وسائل الأمم المتحدة.

بادر صندوق السكان وصندوق الأمم المتحدة الإنمائي لتنفيذ الفكرة. ولخصت المديرة التنفيذية لصندوق السكان ثريا عبيد[2] في تقريرها لسنة 2003[3] في الدورة السنوية التي عقدت في جنيف في يونيو 2004، (الفوائد) التي جناها الصندوق من تعامله مع القادة الدينين في عدد من الدول الإسلامية في أفريقيا وآسيا. وفيما يلي مقتطفات يسيرة منه:

-    "كما أن قيام التعاون والشراكات بين صندوق الأمم المتحدة للسكان وبين القادة التقليديين المحليين والمنظمات العقائدية والدينية أثبت بدوره مدى فعاليته في تحييد المقاومة وخلق إحساس بالامتلاك المحلي لبرنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية وللحقوق الإنجابية. إن هذه المنظمات تحظى بعدد كبير من مؤيديها الذين يشغلون وظائف عامة تشارك بدورها في وضع وتحديد الأولويات الاجتماعية والاقتصادية وفي تخصيص الموارد وفي التأثير على الرأي العام. وفضلا عن ذلك فالمنظمات الدينية تتمتع بشبكات واسعة النطاق تضم المدارس والعيادات الصحية والأنشطة المدرّة للدخل التي يصل مداها إلى القرى والمدن على السواء. وفي البلدان التي تقوم فيها شراكات على أساس هذه الهياكل والمؤسسات، استطاع الصندوق أن يعمم قضايا وخدمات الصحة الإنجابية ضمن المسار الرئيسي لكثير من تلك الشبكات"[4].

-    ومما رُوِيَ في تقرير الصندوق على أنه تجربة ناجحة مع القادة الدينيين: "وفي النيجر حيث كان القادة الدينيون المسلمون يعارضون في بادئ الأمر أنشطة الصحة الإنجابية للمراهقين وأنشطة الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز[5]، إلا أنهم قاموا فيما بعد بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان بإعداد مبادئ توجيهية بشأن الصحة الإنجابية للمراهقين والوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية وأقروا تلك المبادئ. وبات القادة يستخدمون هذه المبادئ التوجيهية في دروسهم الدينية"[6].

وفي عام 2004 عقد صندوق الأمم المتحدة الإنمائي ملتقى للقيادات الدينية من المسلمين والنصارى للخروج برؤية موحدة حول التعامل مع مرضى الإيدز، وفي نهاية الملتقى أحيلت التوصيات للجنة صياغة من الصندوق الإنمائي فذكروا من ضمن التوصيات السعي في تقليل المرض بين الفئات الأكثر عرضة من العاملات في الجنس التجاري والمثليين[7] بصرف النظر عن الرأي في فعلهم وذلك بتوفير الخدمات الملائمة من تثقيف وواقيات ذكرية! والصياغة توحي بعدم الرضا عنهم دون تجريم فعلهم!

وبعد عدة تجارب أصدر صندوق السكان سنة 2009م دليلا سماه: (دليل إدماج المنظمات الدينية كوكلاء للتغيير[8])، ومما ورد فيه:

"ويعتقد الصندوق أن الشراكة مع المنظمات الدينية أمر حيوي لتنفيذ برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية (القاهرة، 1994)، والأهداف الإنمائية للألفية (نيويورك، 2000) والوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي (نيويورك، 2005)"[9]. وأن إشراك المنظمات الدينية يُعَدُّ: "جزءا من استراتيجية الصندوق الشاملة لإيجاد بيئات اجتماعية وثقافية مواتية، وتقوية الشراكات من أجل السكان والتنمية"[10].

كما ينص الدليل على ضرورة التركيز على المساحات المتفق عليها باعتبارها وسيلة قوية لتحقيق الشراكة مع المنظمات الدينية بدلا من التركيز على نقاط الخلاف والهدف النهائي هو تحقيق أهداف صندوق السكان كـاملة، ويشير كذلك إلى أن القادة الدينيين والمنظمات الدينية يتفاعلون مع قضايا الصحة الإنجابية إذا ما طرحت بحذر وحساسية. ويشير الدليل كذلك إلى أن استخدام بعض الأدلة العلمية مثل: وفيات الرضع والأمهات، والعنف ضد النساء، ومعدلات انتشار مرض الإيدز، على سبيل المثال يعد من المداخل الفعالة للتطرق للمواقف الأخلاقية. وينص على أن التحالف مع القيادات والمنظمات الدينية، لا يشترط أن يكون تحالفا دائما، بل الغرض منه خدمة كل قضية على حدة، وهو ما يتطلب تواجد استراتيجية للخروج من هذا التحالف[11]. فالشراكة التي يعقدها الصندوق مع القيادات الدينية إذن –وفقا للدليل- ما هي إلا وسيلة مرحلية لتحقيق هدف محدد، وبعدها يُستغنَى عن الشركاء.

وفي 19-20 من شهر ذي الحجة 1434 دعت المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الإيسسيسكو) بالاشتراك مع صندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة المرأة العربية بعض المجامع الفقهية وثلة من المشايخ والأكاديميين للخروج برؤية إسلامية حول قضايا السكان والتنمية لتقدم للوفود الإسلامية لتقدمها في مؤتمر السكان الرابع. طرحت خمس عشرة ورقة وقدمت بعض التوصيات، ثم وعد الحاضرون بأن المحصلة النهائية ستعرض على لجنة خبراء لصياغتها!

والمعروف أن المؤتمر الرابع للسكان[12] لم يكن ساحة لعرض الرؤى، بل الغرض منه مناقشة الإنجازات في سبيل تطبيق برنامج عمل مؤتمر السكان الثالث (القاهرة) والعقبات والتحديات التي واجهت الحكومات ومنظمات المجتمع المدني وحالت دون تطبيق برنامج العمل كاملاً[13]. وقد بين ذلك قبل انعقاد الجلسات بعدة شهور على موقع لجنة السكان والتنمية وموقع خاص بما يسمى المؤتمر العالمي للسكان والتنمية لما بعد 2015.

وقبل انعقاد اجتماع الخبراء هذا بأربعة أشهر انتهى المؤتمر الإقليمي التحضيري لمؤتمر السكان الرابع للدول العربية، وخرج المجتمعون بإعلان القاهرة الذي جاء في ديباجته ما نصه: "وإذ نشير إلى تأكيد قرار الجمعية العامة[14] المشار إليه إلى أن الدورة الاستثنائية لتقييم حالة تنفيذ برنامج العمل[15] تكون على أساس التقيد التام بما جاء به دون أية إعادة تفاوض بشأن الاتفاقات الواردة فيه". و "إدراكاً بأن التنفيذ الكامل لبرنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية ..". ومن التوصيات الواردة فيه:

-    "دعوة الدول التي لم تفعل ذلك بعد، للنظر في التوقيع والتصديق على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"[16] وبروتوكولها الاختياري[17] وإدراج أحكامها في القانون والممارسة الفعلية .."[18].

-    "دعوة الدول العربية للنظر في رفع أي تحفظات متبقية على أي من مواد هذه الاتفاقية"[19].

وأمثال هذه النماذج في الإعلان كثيرة. وقد رفع الإعلان على أنه الرؤية الموحدة للدول العربية في المؤتمر الرابع للسكان.

أما محصلة اجتماع الخبراء الذي عمدت فيه الإيسيسكو وصندوق السكان لاستغفال الجهات والأفراد المدعوين وإيهامهم بأنهم سيسهمون في إعداد الرؤية الإسلامية التي ستطرح في المؤتمر، فوثيقة عمل نادت ببعض الأشياء الإيجابية مثل ضرورة المشاركة الفعالة والمنسقة للدول الإسلامية، ودعت كذلك لـ"ضرورة التشاور مع المؤسسات الدينية والفقهية وهيئات الإفتاء والتعليم الشرعيوصياغة البرامج المقدمة للمؤتمر الدولي للسكان والتنمية سواء في ذلك الهيئات الحكومية أو مؤسسات المجتمع المدني لتحقيق المشروعية الثقافية للقرارات والتوصيات التي ستصدر عن المؤتمر. وضرورة التنسيق والتشاور وتبادل المعلومات وتوحيد المواقف بين الدول الإسلامية خلال المراحل التحضيرية للمشاركة في أعمال المؤتمر الدولي للسكان والتنمية 2014 للوصول إلى رؤية إسلامية متناسقة ومتضامنة حول القضايا المطروحة". وهاتان النقطتان لا قيمة لهما لأن مواقف الدول الإسلامية قدمت قبل انعقاد المجتمع بشهور، والمراحل التحضيرية لم يبق منها شيء، ولأن المؤتمر لن يناقش أية رؤى حسب قرار الجمعية العامة، بل سينطلق من برنامج عمل مؤتمر القاهرة ويتابع تنفيذه فقط، وستقدم الدول التعهدات اللازمة لضمان تنفيذ البرنامج كاملاً بعد تذليل العقبات التي واجهتها خلال العقدين الماضيين[20]!

والتوصية الخامسة في وثيقة العمل هذه: "على المنظمات الإسلامية الدولية -منظمة التعاون الإسلامي، الإيسيسكو، رابطة العالم الإسلامي- أن تعمل بشكل منسق مع صندوق الأمم المتحدة للسكان لضمان مشاركة فعالة وإيجابية مؤثرة من مختلف مناطق العالم، كما يجب على هذه المنظمات العمل على مواكبة كل المراحل التحضيرية للمؤتمر، والمشاركة فيها كمنظمات دولية وإقليمية".

وبهذه التوصية من الخبراء! يظفر صندوق السكان بالشراكة مع المجامع الفقهية الكبرى، والمنظمات الإسلامية العالمية بعدما كان يتحايل على الأفراد من المنتسبين للعلم الشرعي، ويبحث عن نقاط الاتفاق معهم ليكسروا الحواجز التي تحول بين المجتمعات وبرامج الصندوق. والصندوق في التعامل مع المجامع والأفراد ينتهج الخطة المرسومة في دليل الشراكة المشار إليه آنفاً، ويستفيد من تجاربه في دس برامجه التي ترفضها المجتمعات المسلمة ويأباها عليهم دينهم ضمن برامج المجامع الفقهية والجمعيات الإسلامية!

إنه لمن المحزن أن يجهر الصندوق بالطريقة التي ينتهجها في الشراكة مع من يسمونهم بالقيادات الدينية، ويبين في تقاريره التنفيذية أنهم مجرد مستخدمين لتطبيع برامج الصندوق وتنفيذ برنامج عمل مؤتمر القاهرة في المجتمعات المسلمة ثم يجد من يتعامل معه بحسن نية أو بسوء طوية.

إنه لمن الخير للمجامع الفقهية والجمعيات الدينية والعاملين في مجال الدعوة أن يقاطعوا هيئات الأمم المتحدة لاسيما صندوق السكان وصندوق الأمم المتحدة الإنمائي مقاطعة تامة، وألا يتوانوا في فضحهم ونزع القناع عن الوجه القبيح الذي يريدون ستره بأهل الدين. وأن يبادر من استُغفل وسبقت له المشاركة إلى البراءة من الشراكة مع هذه المؤسسة الساعية لمحادة الله، وتسجيل موقف إعلامي يشهر فيه براءته ويكشف فيه كذب وتدليس هيئات ومنظمات الأمم المتحدة.

وإنه لمن الواجب على الجهات المتخصصة تقديم بديل إسلامي يقدم الرؤية الإسلامية لمشكلاتنا المعاصرة، وإعداد برامج قابلة للتطبيق تلبي حاجات المجتمعات وتقيها شر الحاجة لمثل هذه الهيئات.

هذا والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.