ما المقصود بالتمكين الاقتصادي للنساء في الأمم المتحدة؟ مركز باحثات الموقع التجريبي


أسماء عبدالرازق

كثيرا ما يتكرر مصطلح تمكين المرأةفي الوثائق الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي[1] ولجانه الفنية؛ فيذكر مضافاً إلى السياسةوالثقافة والاقتصاد والاجتماع.

في سبتمبر 1995م عقدت لجنة وضعالمرأة -إحدى اللجان الفنية للمجلس- المؤتمرَ الرابع للمرأة وخرج بإعلان ومنهاجعمل بكين[2]، وذكر فيالفقرة الأولى من الفصل الأول أن المنهاج هو جدول أعمال لتمكين المرأة.

وفي مارس من العام الجاري 2017م،تنعقد الدورة الحادية والستين للجنة وضع المرأة وموضوعها الأساس: التمكينالاقتصادي للنساء في عالم متغير، ومرجعها الأساس منهاج عمل بكين، وتقرير"المرأة عام 2000: المساواة بين الجنسين والتنمية والسلم في القرن الحاديوالعشرين" الصادر عن الجلسة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة والتي كان موضوعها النظر فيالإجراءات اللازمة لتطبيق إعلان ومنهاج بكين. فما المقصود بالتمكين الاقتصادي؟

وردت تعريفات مختلفة للتمكينالاقتصادي للنساء في إصدارات المنظمات المعنية بالأمر لكن كلها تدور حول تمكينالنساء من دخول سوق العمل، والوصول للمساواة التامة بين الجنسين في كل ما يتعلقبالموارد والنشاطات الاقتصادية، مع مراعاة أن التمكين الاقتصادي لا يحدث دون تمكينسياسي واجتماعي وثقافي وصحي.

كي يتحقق التمكين الاقتصادي للنساءوما يتطلبه من تمكين سياسي واجتماعي وثقافي وصحي نص منهاج بكين على استراتيجياتوآليات لابد أن تعتمد وتوفر، وكلاً من الاستراتيجيات والآليات جاءت مصممة بماينسجم مع الخلفية الثقافية للمجتمعات الغربية العلمانية، ولمّا لم تكن تراعيالخليفة الثقافية للبلدان الإسلامية، جاء فيها ما يخالف الدين الإسلامي، بلويتعارض مع ثقافات كثير من الشعوب في العالم، ولهذا تحفظت غالبية دول العالم علىأجزاء مختلفة من منهاج بكين.

وفيما يلي أبرز الملاحظات على ماورد في الإطار العام، وفي الاستراتيجيات والأهداف الواردة في منهاج بكين لتحقيقالتمكين الاقتصادي للنساء باختصار شديد:

أولاً:في الجانب الاقتصادي.

1.   إغفال التباين بين الجنسين فيالاستعداد الصحي والنفسي والبدني في مجالات العمل المختلفة مع الدعوة للتسوية فيالفرص والمنافسة الندية عليها وهذا يؤدي للتضييق على أحد الجنسين في بعض المجالات.

2.   تجاهل أهم معوقات الاستدامةالتنموية مثل الاحتكار التقني، وتراكم الديون، وسياسات البنك الدولي وصندوق النقدالدولي التي تدفع في اتجاه زيادة إفقار المجتمعات الأقل نموا، والإنفاق العسكريالمفرط، والنزاعات المسلحة، والاحتلال الأجنبي وغيرها من العقبات ذات الأثر البالغطويل الأجل.

3.   تجاهل مشكلة التقصير في الالتزامبالتمويل من قبل الدول الصناعية، ومشكلة صرفه في غير الأوجه ذات الأولوية المراعيةلحاجات المجتمعات محل التمويل.

ثانياً:في الجانب الصحي.

1.   التشجيع على التخلص من الحملبالإجهاض وذلك بالدعوة لإعادة النظر في القوانين الوطنية التي تمنع الإجهاض[3]، حتى لا تتعطل المرأة بسبب حمل غير مرغوبفيه؛ ولا بأس بإهدار حق الحياة للجنين في سبيل التمكين الاقتصادي!

2.   المفاهيم المتعلقة بالصحة والحقوقالإنجابية والجنسية لا تندرج في إطار حماية الأسرة ومسؤولية الأبوين حيالأبنائهما، بل تتعامل مع حق الأفراد فقط في الفعل وتغفل مسؤوليتهم تجاه نتائجالفعل.

3.   إهمال الخدمات الصحية والتركيز علىالصحة الجنسية والإنجابية رغم أنها لا تمثل إلا جانب محدود من الجوانب الصحية التيتعني الإناث في مراحل الحياة المختلفة.

4.   عبارة التحكم غير المشروط فيالشؤون الجنسية والخصوبة التي تكررت في المنهاج تعني تحليل الإجهاض والشذوذ.

ثالثاً:في الجانب الاجتماعي.

1.   الروح الفردية التي تتعامل معالمرأة كما لو كانت كائنا منبتا عن أسرته فلا مسؤولية ولا وجبات في هذا الصدد معأنهم لا يطردون فيجعلونها هكذا مع المجتمع!

2.   الدعوة إلى تحول جذري في العلاقةبين الرجل والمرأة[4] وتحديد معالمالعلاقة الجديدة بناء على اتفاقية سيداو واستراتيجيات نيروبي التطلعية والدعوةلفرضها وتغيير التشريعات لتتوافق معها، مهدرين حق كل رجل وامرأة في العالم فيالاسترشاد بما يؤمنون به من دين وتحديد علاقتهم بناء على ذلك.

3.   النص على أن الأسرة تتعدد أشكالها![5] فلا يلزم أن تتكون من رجل وامرأة أصلاًفضلاً عن أن تكون العلاقة بين الرجل والمرأة شرعية، وهذا يقتضي تقنين الشذوذ وجعلهحقا مكفولا محميا.

4.   الدعوة إلى تغيير التشريعات لتتضمنالتسوية التامة بين الجنسين في كل شيء[6]. وهذا يقتضيإلغاء بعض آيات القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة واستبدال التشريعات المبنية عليهابوضعية مستوردة. وآثار ذلك تتجاوز مخالفة أنصبة المواريث الشرعية إلى ما هو أبعد.

5.   فرض نمط اجتماعي واحد يلزم المرأةبالعمل خارج المنزل والإسهام في نفقات الأسرة، ويلزم الرجل بالمشاركة في أعمالالبيت وتجريم ما سواه من الأنماط الاجتماعية.

6.   تحليل الزنا وذلك بالنص على حقالأزواج والأفراد –يعني غير الأزواج- فيما يتعلق بالإنجاب وفي التحكم في عددالأطفال ومواعيد ولادتهم[7]!

رابعاً:في الجانب التعليمي.

1.   الدعوة إلى تصميم منهاج واحدة غيرمتحيزة؛ يعني تنشئة الطلاب على تبني الإطار الاجتماعي الذي رسمه المنهاج للناسكافة بصرف النظر عن دينهم وعاداتهم.. على سبيل المثال لا تربية أسرية تخص الطالباتفهذا تحيّز، ولا تربية رياضية تخص الطلاب.

2.   دعوات التثقيف الجنسي للمراهقين فيالمنهاج، والتي تغفل القيم الأخلاقية والأدبية وتتجاوز حقوق وواجبات الوالدين حيالأبنائهما في هذا الجانب، ولا تراعي الفوارق بين البيئات النظيفة التي لاتكون مثلهذه المقررات إلا محض ترف مفسد فيها وبين غيرها التي ربما كانت لها فيها مصلحة.

قد يتعجب القارئ للمنهاج من تضمنهمثل هذه الأمور البعيدة عن النشاطات الاقتصادية، لكن في الواقع هي ثمرة الاتفاقياتوالوثائق السابقة للمنهاج؛ اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة،واستراتيجيات نيروبي التطلعية. والمنهاج هو ثمرة المؤتمر الذي راجع تطبيق الدوللهما، ووضع ليحل الإشكالات الناجمة عنهما.

ففي الجانب الاجتماعي تحقيقالتمكين الاجتماعي يعني رفض النساء للتمييز بين الجنسين والاستنكاف عن العناية بمايسمونه "المهام الإنجابية مقابل المهام الإنتاجية"! ويعني الحريةالشخصية التامة لكل من الجنسين، ورفض أي انماط اجتماعية أو تقييدات دينية. الحريةالتامة هذه قادت لمشكلة الحمل غير المرغوب فيه لأنه مُقَيِّد ومؤثر على القدرة علىالمنافسة في سوق العمل، ومحاولة التخلص من المهام الإنجابية توقع في فخ المصاعبالصحية التي ربما كان أهونها الإجهاض بكل ما يتسبب فيه من مخاطر حتى لو سموه آمنا،إذ لا وجود لإجهاض لا ضرر منه.

ورفض التمييز يقتضي تخلي المرأة عنحقها المالي في المهر وفي النفقة في مختلف أطوار حياتها والخروج للعمل لتحقيقالاستقلال الاقتصادي إلزاما، والخضوع لمنافسة ندية في سوق العمل وهذا يعني تخليهاعن الامتيازات التي تعطيها إياها الشريعة إذا خرجت للعمل من حماية في البيئة،وخصوصية في مكان العمل، ومراعاة لأوقات العمل، وتقديم لمصلحة الأسرة، بتصميم إجازاتوأعذار تتلاءم مع طبيعتها.


وختاماً..

بعد أكثر من عقدين من اعتماد منهاجبكين الذي صور على أنه المخلص للإناث من سطوة الذكور، والمفصل لآليات تمكينهن،ورغم المتابعة السنوية لتنفيذه من قبل لجنة وضع المرأة والتدخلات المتعددة منالأمم المتحدة للنساء في شؤون الدول وحملها على تنفيذه يتزايد عدد الدول المعرضةللانكماش الاقتصادي بسبب العولمة الاقتصادية التي يحمل لواءها صندوق النقد الدوليوالبنك الدولي وتسهم فيها الأمم المتحدة. والنساء أكثر فئة تتأثر بالتحولاتالاقتصادية وبرامج التكيف، وأكثرها لجؤاً إلى العمل في المجالات المفتقرة للأمنالوظيفي طويل الأجل، وأكثرها تعرضا للبطالة وللعمل في ظروف منطوية على مخاطر،وأكثرها تعرضا للفقر والاستغلال.

العالم بحاجة لإعادة النظر في هذهالوثائق التي تسير في اتجاه واحد منذ عام 1975 بزعم تحقيق الرفاه للنساء، ودراسةإفرازاتها. والمسلمون أولى من يقدم شرع العليم اللطيف الخبير لنساء العالم، وصياغةبرامج تسترشد بهداه تلبي حاجاتهن، وتضع عنهن هذه الأغلال والآصار.

دورة لجنة وضع المرأة 61المخصصة  للتمكين الاقتصادي في مارس القادمفرصة للشباب[8]، وللمنظمات غيرالحكومية[9]، وللحكومات فيالجلسات المغلقة والمفتوحة والنشاطات المصاحبة والمنتديات الشبابية للاعتراض علىهذا النهج وتقديم البديل.. فماهو واجبنا وماذا أعدننا؟ المجال مفتوح وهم وهنَّيعدون ثم يفرضون!



[1] أحد المكونات الرئيسية للأمم المتحدة المنشأة بموجب الميثاق، وهوالمعني بإنماء العلاقات الودية بين الدول، وبحقوق الإنسان، وبتحقيق التعاون الدوليفي ما يتعلق بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية.

[3] انظر 106 ك.

[4] المنهاج، 17.

[5] انظر منهاج عمل بكين، الفقرة 29.

[6] تكررت كثيرا في المنهاج وركزت عليها الفقرة 232، وهي المادةالثانية من سيداو، إحدى الوثائق التي استند عليها المنهاج.

[7] منهاج بكين 223.

[8] بالتسجيل للمشاركة في منتدى الشباب في يومي 11-12 مارس. رابطالتسجيل:

https://www.eventbrite.com/e/youth-forum-at-csw61-tickets-30500484771

[9] وسبل التنسيق بينها كثيرة ويمكن الاستفادة من أصحاب التجارب فيرابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية، ورابطة العالم الإسلامي وغيرهما.ويمكن التسجيل للفعاليات الجانبية على الرابط:

https://www.ngocsw.org/ngo-csw-forum/ngo-parallel-events

استغل الفكر النسوي المؤسسات الدولية العالمية لتحقيق استراتيجية الأيدلوجية المغرضة فالقرارات التي تتخذها الأمم المتحدة بشأن المرأة والتي تعبر عن مصالح الفكر النسوي الغربي تبرز للعالم على أنها المعبرة عن مصالح المجتمع الدولي؛ حتى أن عبارة المجتمع الدولي صارت هي العبارة التي تمنح الشرعية لكل الأفكار التي تعبرعن مصالح الفكر النسوي الغربي " الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية (المجتمع المصري أنموذجاً -خالد قطب ،2009 : ص 14)

هل تؤيد عمل المرأة عن بعد؟





اشترك و احصل علي جديد الموقع


-

مكتبة المركز

عبارة عن مكتبة شاملة لكل ما يخص المرأة احتوت على ثمانية آلاف كتاب من الكتب التي تحدثت عن المرأة بمختلف التخصصات.


الأسرة وأزمة الإعاقة العقلية.
الكاتب :محمد السيد حلاوة.

التلفزيون والمرأة دوره في تلبية احتياجاتها التربوية
الكاتب :د. منى حسين

سيكولوجية المرأة
الكاتب : باسمة كيَال.

التربية الحركية في رياض الأطفال (المفاهيم النظرية – المهارات الأساسية – البرامج والقياس).
الكاتب : الدكتورة / دلال فتحي عيد.

9004982


زائر