وقفة مع القوامة

وقفة مع القوامة

جعل الله الزواجللعفة، وإنجاب الأولاد، وتحقيق السكن والاستقرار النفسي والعائلي للزوجين، وشرعللأسرة مجموعة من الأحكام لتحقيق هذه النتائج، ولعل منها بعض القيود التي تبدومرهقة للزوجة (مثل استئذان الزوج، أو ضرورة الاستجابة لفراشه، أو طاعته...)، ممايثير التساؤلات، عن السر فيها؟ أو المقصد الشرعي منها؟

وفي محاولة منيللمساهمة في إيجاد جواب -يعلل هذه الأحكام- كتبت هذا المقال، واستهديت فيه بالقرآنوتفسيره والسنة المباركة، وكتب مقاصد الشريعة، والفكرة الأساسية التي وجدتها، أنالرجل ملزم بالإنفاق على البيت والزوجة والأولاد، والإسلام اهتم بمورد المالومصارفه، وجعله فداء لأي خطأ، فشرع "العوض" و"الديات"... وجعلالمال فرضاً في الزواج (فشرع المهر والنفقة). ومن هذه المعطيات خطرت لي بعضالتعليلات، ورتبتها في هذه النقاط:

1- الذي يكدويشقى ويجمع المال، يكون من حقه المشاركة في اختيار المصرف المناسب له؛ فلا تخرجالزوجة إلا بإذن لأن الخروج يحتاج لنفقة، وإدخال الضيوف للبيت يحتاج لإكرام،والسفر يحتاج لمؤنة... فألزم الله الزوجة بالاستئذان، ليعرف الزوج وضع بيته، ويكونعلى اطلاع كامل، فيتدارك احتياجاته المتزايدة –بسبب خروج الزوجة أو الاستضافة-وأيضاً لكي يدخل إلى بيته مستأذناً (فلا يرى عورات الضيفات)، أو ليأتي بطعام زائدوشراب (لكي يكرم صويحبات زوجته).

ولعل السببالأقوى في فكرة "الاستئذان" معرفة الزوج لمكان وجود زوجته، فإذا احتاجت معونةأو مساعدة هب لنجدتها.

2- وقد يكونالسبب أن المرأة قد تتطلب، ومعلوم حب النساء للحلي والزينة والذهب والعطور، وحينتستأذن زوجها في الخروج، يعلم وجهتها، وقد يحد من إسرافها -إذا لم يأذن لها- فتتريثوتفكر، وتتأكد من حاجتها للسلعة التي ستشتريها، فالمنع قد يكون ناحية إيجابيةيُشكر عليها الزوج، وتستفيد هي منها، فلا تتسرع بإنفاق المال، وتتأكد قبل أن تطلب،وكثير من النساء يبذخن على هذه الأمور الكمالية ويكون على حساب نفقات البيتالضرورية، ويتبعن الموضة ويقلدن الأخريات، وهن في غنى عن هذا.

3- وربما حَرّجالشرع -على الزوجة- الخروج بلا إذن، من باب تمكين الرجل من الاستمتاع بها (أي لنفسعلة منعها من صيام النفل)، فإذا طلبها للفراش وجدها أمامه، أو يكون على علمبخروجها فتهدأ نفسه ويتصبر على فراقها، أو يأخذ حاجته منها قبل خروجها.

وقد يكون السر -فيوجوب استئذانه- أنها سكن له، فإذا جاء إلى البيت ولم يجدها، قلق أو حزن، أوافتقدها، وهكذا الرجال يشتكون من المرأة، ثم لا يستطيعون الحياة من دونها، فإذاتطلقت أو ماتت تزوجوا في اليوم التالي!

4- وقد عهدناالرجل منهمكاً في أعماله خارج المنزل، وجرى العرف أن مهام المرأة في البيت معالأولاد، فلا تخرج إلا لحاجة، فاستتبع هذا أن تُعْلمه المرأة قبل خروجها، ليتمكنزوجها من ندائها إن احتاجها البيت في شأن.

والإذن فيهاستكمال للمودة والمرحمة، ولكي يعلم الزوج أين يلاقي زوجته لو تأخرت أو وقعت فيكرب أو بلاء.

5- ودرج الناسعلى الحياة حسب العادات والتقاليد السائدة، وضمن قوانين عامة معروفة، لا يخالفونهاإلا لماماً، وهكذا فهمتُ حديث: "وإذا أمرها أطاعته..."، فالأصل أن تسيرالحياة الزوجية بسلاسة، ولا يأمر الإنسان إلا لحاجة قوية، أو لظروف جدت فاستدعتالتغيير.

 

6- وكأن الزوجة أُمرتبالطاعة وأمر الزوج بالموافقة على طلباتها، وهذا ما لاحظته من تتبع النصوص، بدليلما رواه البخاري: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".

وكأن الإذن أمرشكلي، أو من باب الإعلام، أو هو تهذيب وأدب جميل، والإذْن في اللغة: الإعلام بإِجازة الشيء والرخصة فيه. وكان الصحابة إذا كانوا معه علىأمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، و"الأمر الجامع" الأمر المهم الذييقتضي اشتراك الجماعة فيه, لرأى أو حرب أو عمل من الأعمال العامة. فلا يذهبالمؤمنون حتى يستأذنوا إمامهم لكي لا يصبح الأمر فوضى بلا وقار ولا نظام. ولكن إن حدثفحاضت امرأة، أو عرض لرجل طارئ، فلا يحتاج إلى الاستئذان ليخرج.

فالاستئذان أدب عام، أرشد الله عبادَه المؤمنين إليه، وكما أمرهمبالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف: (إذا انتهى أحدكم إلىالمجلس فليسلِّم ، فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم ، فليست الأولى بأحق من الآخرة)".

هذاما وجدته عن الاستئذان، وأتوقع أن يكون هو نفسه حكم الرجل معامرأته.

6- جاءت الشريعة في مسايرة الزوج لرغباتزوجته، والصبر عليها، فطُلب من الرجل الوصاية بالمرأة ومراعاتها، وطُلب منه الرفقبها، لما رواه البخاري: "ارفُقْ يا أنجَشَةُ، وَيحَكَ، بالقَوارير"،ِ"استوصوا بالنساء خيراً"، وقوله تعالى "وَعَاشِرُوهُنَّبِالْمَعْرُوفِ" و"فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ"،ولكننا في زمن انقلبت فيه المفاهيم فصاروا يدعون المرأة للصبر والاحتمال،والمحافظة على البيت والأولاد، مهما ظُلمت، أو أرهقت، أو هُضم حقها، ويهملون نصحالرجل!؟ وانظروا ما أروع هذا الحديث الذي رواهالبخاري: "إنِّي أريدُ أنْ أخرُج في جيشِ كذا وكذا، وامرَأتي تريدُ الحجَّ؟ فقالَ: اخرُجْمعَها"؛ مما يدلل أن الأولوية لحاجات الزوجةُ، وأنها أولى الناس بكلِّ خيرٍ،من جهة زوجها.

7- ولم يجد النبي عليه السلام بأساً في أن تغلب النساء الرجال، فروىالبخاري: "وكنا مَعشرَ قريشٍ نغلِبُ النساءَ،فلما قدِمْنا على الأنصارِ إذا هم قومٌ تغلِبُهم نساؤُهم، فطفِق نساؤنا يأخُذنَ من أدبِ نساءِ الأنصارِ".

ولعلالله بعدله -بين الجنسين- أعطى الرجل القوامة فأعطى المرأة الكيد لكي يتوازنا، وتذبالزوجة عن نفسها بالحسنى، دون كذب أو مخالفة، فيكون الكيد بالخيربديلاً عن ظلم الرجل وقهره، فإذا تسلط عليها وغلبها بالقوة غلبته بذكائهاوتخطيطها، وإن الذكاء يغلب في كثير من الأوقات القوة، وهو أسلوب أصبح معروفاً فيالعالم، فتستعمله الدول "الحرب خدعة" ويستعمله الأفراد بعضهم مع بعض. وإنبعضه مقبول شرعاً، ولا ضير منه، بل قد يكون محموداً، لأنه يوصل المرء لما يريدهدون مشكلات أو إغضاب لأحد واستعمله يوسف: "كذلك كدنا ليوسف".

وانظروا ماذا فعلت السيدة أسماء لكي تحتال على زوجها في أمر فيهخير ومصلحة لغيرها (فكيف إذا كان لنفسها): "جاءني رجلٌ فقال: يا أمعبدِاللهِ! إني رجلٌ فقيرٌ. أردتُ أن أبيعَ في ظلِّ دارِكِ. قالت: إني إن رخصتُ لك أَبَى ذاك الزبيرُ.فتعال فاطلب إليَّ، والزبيرُ شاهدٌ. فجاء فقال: يا أم عبدِاللهِ! إني رجلٌ فقيرٌأردتُ أن أبيعَ في ظلِّ دارِكِ. فقالت: مالَكَ بالمدينةِ إلا داري؟ فقال لهاالزبيرُ: مالَكِ أن تمنعي رجلًا فقيرًا يبيعُ؟ فكان يبيعُ إلى أن كسب".

8- وإذاكان الرأي للزوج فمن حق الزوجة مشاورتها، ومن حقها مراجعته ومحاسبته وهجره إلىالليل: "غضَّبْتُ يومًا على امرأتي فإذا هيتُراجِعُني فأنكَرْتُ أنْ تُراجِعَني فقالت: ما تُنكِرُ أنْ أُراجِعَك فواللهِإنَّ أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لتُراجِعْنَه، وتهجُرُه إحداهنَّ اليومَ إلى اللَّيلِ قال: فانطلَقْتُ فدخَلْتُ على حفصةَ فقُلْتُ: أتُراجِعينَ رسولَاللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ قالت: نَعم وتهجُرُه إحدانا اليومَ إلىاللَّيلِ (رواه الترمذي، وصححه الألباني)".


الكاتبة : عابدةالمؤيد العظم