وهم التنمية بعد نصف قرن من بداية مؤتمرات السكان والتنمية مركز باحثات الموقع التجريبي

وهم التنمية بعد نصف قرن من بداية مؤتمرات السكان والتنمية

سيدة محمود محمد[1]

 

يعد مؤتمر السكان والتنمية الذي تعقده الأمم المتحدة هذه الأيام من الأهمية بمكانوذلك لمرور نصف قرن منذ انعقاد المؤتمر الأول فى رومانيا عام 1974 والذي عقد لمناقشة قضايا زيادة اعداد البشر[2] وقد اعتمدت الدول الأطراف فيه أول خطة عمل عالمية للسكان والتنمية، وجاء فيها:

*  الدعوة إلى إعادة النظر فيما أطلقوا عليه دور تقليدي للمرأة (الأمومة ورعاية الأسرة) وطالبوا بدمجها الكامل في المجتمع لأنه بخروجها للعمل سوف تقل رغبتها فى الإنجاب.

*  الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل.

*  الدعوة إلى تحديد النسل، عن طريق اعتراف عالمى بتملك المرأة لجسدها.

ثم انعقد المؤتمر الدولي المعني بالسكان والتنمية في المكسيك عام 1984م ليؤكد على النقاط السابق ذكرها في العقد السابق، وزاد على ذلك بـ:

*  الإقرار بالأشكال المختلفة والمتعددة للأسرة.

*  الدعوة إلى التثقيف الجنسي للمراهقين والمراهقات.

*  الإقرار بالعلاقات الجنسية خارج نطاق الأسرة، مع تقديم كامل الدعم لأطراف العلاقة بغض النظر عن رابطة الزوجية.

ثم جاء المؤتمر الكارثة الذي أيقظ المسلمين من سباتهم مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية عام 1994م الذي أقيم في القاهرة، ولعلها اختيرت لإضفاء صفة الشرعية على مقررات المؤتمر، إلا أنه جوبه بمعارضة شديدة بسبب مخالفة الوثيقة الدولية للشرائع السماوية والفطرة السليمة[3].

وقد أوضحت فعاليات هذا المؤتمر- بما لا يدع مجالا للشك - بأن المنطقة العربية والإسلامية لم تعد بعيدة عن أطروحات الاتفاقيات الدولية، فالمؤتمر عقد في عقر دارها وقد نوقش في هذا المؤتمر قضايا شبيهة تماماً بالقضايا السابق ذكرها وأفردت لها فصولا مستقلة.
والعجيب أن محتويات الوثيقة ركزت على موضوعات النشاط الجنسي للأفراد بما يقترب من المائة صفحة من وثيقة تبلغ مائة وإحدى وعشرين صفحة، بينما أخذت التنمية ما يقارب 20%من صفحات الوثيقة، وعلى عكس مسماه نجد أن قضية التنمية فيه، هامشية تمامًا، مما يطرح علامة استفهام كبيرة حول الهدف الحقيقي من مؤتمرات السكان والتنمية.

ولنستعرض سويا أنموذج التنمية الذي تقدمه الهيئة الدولية:

المنشأ والتطور:

عقب الحرب العالمية الثانية وتأسيس هيئة الأمم المتحدة والتى ترأستها الدول الاستعمارية الكبرى تزايد الاهتمام بدراسة دول العالم الثالث التى تطالب باستقلالها فكان التفكير فى منحها الاستقلال على أن يتغير شكل التبعية بما يضمن ديمومة استنزاف ثرواتها فظهرت النظريات التي تمجد الغربي وتلحق كل نقيصة بالآخر، ولم تشر مطلقا إلى السبب الحقيقي لتخلف هذا الآخر وهو استعماره واستنزاف موارده واغتصاب ثرواته. بل ظهرت النظريات العنصرية التي ترجع أسباب التخلف في عالم الجنوب أحيانا إلى عوامل عرقية تتعلق بمركزية الإنسان الأوروبي وجنسه الآرى، وعوامل جغرافية أحيانا حيث يتسم سكان الجنوب بالخمول والكسل عكس سكان الشمال، أو دينية في أحيان أخرى بأن الدين الإسلامي هو دين محافظ يرفض التطور ويؤمن بالعنف، وأنه نقيض النصرانية[4] التي تدعو إلى العمل لذا فإن المجتمع الصناعي في الدول الغربية المتقدمة يشكل أنموذجا مثاليا وعلى البلدان النامية أن تسير على خطاه في التنمية والتحديث[5].

وظهر مفهوم التنمية ليشير في دلالته الأولى الى أن الأصل هو ندرة الموارد، وعدم كفايتها لإشباع حاجةالإنسان الأمر الذي يفسر الصراع بين البشر.أي أن مفهوم التنمية في منشئه ركز على الأبعاد الاقتصادية والمادية لعملية تطوير المجتمعات، فالتعليم يقاس بالبنية المادية وليس بالتنشئة الاجتماعية ومضمونها الثقافي والأخلاقي، والاقتصاد يقاس بسوق العمل والتنافسية وليس بمعايير عدالة التوزيع وحيث أنها ربطت التنمية بالكسبالمادي، فالبديهي أن ينتج عن برامجها ابتلاع الأمم القوية الأمم الضعيفة من أجل رفاهيتها هي.

وقد أظهر هذا الشكل المتوحش للتنمية الحاجة الى تجميل الوجه القبيح، والحاجة الى أن يحوي المفهوم بجانب أبعاده الاقتصادية أبعادا أخرى تجعله يبدو أكثر إنسانية.

فظهر مفهوم التنمية "الشاملة" والذي وإن استطاع تجاوز القصور الموضوعي لمفهوم التنمية في صياغته الاقتصادية الأولى، إلا أنه ظل يحوي تبعية أنموذج التنمية في العالم الثالث للأنموذج الحداثي الصناعي الغربي، ويحمل أيضًا أحكامًا قيمية تقضي بدنو باقي الثقافات والحضارات أمام الحضارة المهيمنة، وشطر العالم إلى مركز وهامش، ومتقدم ومتخلف، وتابع ومتبوع، ومنتج للتكنولوجيا ومستهلك لها، مما عرى التنمية من ادعاء الشمولية. بما مهد الطرق أمام ظهور الجيل الثالث من التعريف ألا وهو التنمية المستقلة.

 ثم ظهر مفهوم التنمية المستدامة، حيث أدى فشل أنموذج الحداثة الغربى فى تقديم أنموذج للتنمية الحقيقية بعد أن ارتبط نمط الحياة الاستهلاكي المنبثق عنه بأزمات بيئية خطيرة مثل تلوث الماء والهواء، وارتفاع درجة حرارة الأرض، واستنفاد الموارد غير المتجددة، فظهرت الدعوة إلى أنموذج تنموي بديل مستدام، وتمصياغة أول تعريف للتنمية المستدامة عام 1987 من قبل رئيس وزراء النرويج على أنها: "التنميةالتي تلبي احتياجات الحاضر دون الإخلال بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها" ولها أبعاد ثلاث أساسية تتعلق بالجانب الاقتصادي والاجتماعي والبيئي:

* البعد الاقتصادي: ويركز على استدامة وتعظيم الرفاه الاقتصادي لأطول فترة زمنية ممكنة.

*البعد البيئي: ويركز على أن لكل نظام بيئي حدود معينة لا يمكن تجاوزها من الاستهلاك والاستنزاف، ومن ثم يجب وضع الحدود أمام الاستهلاك والنمو السكاني.

* البعد الاجتماعي: يركز على الاهتمام بالعدالة الاجتماعية، ومكافحة الفقر، وتوفير الخدمات الاجتماعية وضمان الديمقراطية للشعوب[6].

وبرؤية هذه الأبعاد الثلاث في ضوء موارد وثروات العالم الثالث نجد أمامه ثلاث طرق لاستثمار هذه الموارد:

الأول: أن يمتنع عن سداد فاتورة الرجل الغربي - والذي أدى بجشعه إلى كوارث تهدد البيئة – فيكفيه ما تعرض له من ظلم سابق باستنزاف ثرواته. بل آن له أن يطالب بحقه في تنمية حقيقية ويحاول الاستفادة من هذه الموارد بما يعود بالنفع عليه ويحرم الغربي وأجياله المستقبلية من إرث هذه الموارد وهذا بالطبع مرفوض من الغرب.

الثاني: أن يتصرف بسفه فى استنزاف تلك الموارد بما يبددها وهنا ينبغى على السيد الغربى الحيلولة دون ذلك ليس من أجله فالحضارة المادية لا تعير العواطف اهتماما وإنما من أجل هذا السيد وأجياله من بعده.

الثالث: أن يظل الوضع على ما هو عليه وهذا يريح الغرب فهو يهيئ له أقصى استفادة من ثروات الآخر مع رضى هذا الآخر بالفتات. ولكن الإشكالية تظل من وجهة نظره فى التزايد السكانى لدى هذا الآخر والذي قد يلتهم إرث الغرب ذاته لو ظل الأمر على هذا المنوال من التناقص السكاني المخيف للغرب، ومن ثم الحل كما ورد فى مفهوم التنمية المستدامة بوضع حدود أمام الاستهلاك والنمو السكانى.

والسؤال ما الذي يجبر دول العالم الثالث على الخضوع لهذه المفاهيم وشراء الوهم؟

أرى أن السر يكمن في القوة الناعمة التي تطبع هذه المفاهيم وتُلهي بأنموذج للتنمية لم تشارك الأطراف المستهدفة فى وضعه من الأساس وذلك بعدما أقنعنا عبر الإحصاءات التى جمعها والدراسات التى أجراها بأن ما يطرحه هو الحل الأوحد.

مثال ذلكتقرير التنمية البشرية السنوي والصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي - والذى صار معلماً هاماٌ من معالم الحوار والنقاش بشأن أى جدول أعمال للإصلاح يطرح لتحقيق تنمية بشريّة في المنطقة العربيّة -  نجده يتناول مقاييس محددة للتنمية البشرية رتب على أساسها الدول غاضا الطرف عن التنوع الثقافى الذى قد يعتبر ما هو مقياس للتقدم في بلد ما مؤشراً لتراجع بعض القيم في بلد آخر – والمعايير التي اعتمدها في تقريره عام 2010 على سبيل المثال : الفوارق بين الجنسين، معدل المشاركة في القوى العاملة، معدل انتشار وسائل منع الحمل[7]

وكذلك كثير من الدراسات التى تجريها هيئات الأمم المتحدة بوجه عام – نتيجة اعتمادها لمعايير غربية بالأساس- تتحول إلى مجموعة تهم معلبة وجاهزة ومسبقة النتائج ضد الدول الفقيرة التي تجري فيها الدراسات، كالدراسة التي أجريت عن مستوى البؤس في العالم وكانت نتيجتها أن الدول الفقيرة بائسة وأن الدول الغنية هانئة؛ وذلك لأن هذه الدراسة اعتمدت مؤشرات مثل كمية المياه المتوافرة للغرب وأهملت مؤشرات الانتحار والإدمان والأمراض المتنقلة جنسيًّا والشذوذ إلخ.

-      أيضا الدراسات المتعلقة بالأشخاص المحتاجين إلى دور إيواء كالمسنين تهمل عامل ثقافي هام هو تمسك الأسرة العربية برعاية من يحتاج من أعضائها، بما يعني أن وجود دار مسنين إنما يعني تخلي الأهل عن هذه المهمة وزيادة هذه الدور إنما هو مؤشر خطير على تراجع قيم الرحمة والتكافل، إلا أن هذه الدراسات –بناءً على المعايير الغربية- خرجت بنتيجة مؤداها أن النقص في دور الإيواء هو علامة من علامات البؤس في هذه الدول.

أي أن هذه الدراسات الأجنبية تتعامل مع المجتمع العربي متجاهلة أن لكل مجتمع قيمه الخاصة، ومن ثم تتجاهل في تحليلها للنتائج عوامل ومؤشرات حيوية، فتصل بذلك إلى تشخيص خاطئ لأزمات هذا المجتمع وحاجاته الأمر الذي يستتبع اقتراحات حلول تكون نتائجها كارثية في حال تطبيقها[8].

الخلاصة:

أننا نريد أنموذجاً ذاتياً مستقلاً للتنمية فالتنمية لغة هى عملية توالد ذاتى وحركة تنبع من الذات وكما عرفها الأستاذ الدكتور نصر محمد عارف بأن التنمية المستقلة "تنمية الإنسان والمجتمع بكل أبعاده ومستوياته ومن مختلف زواياه، من خلال الاعتماد بصورة أساسية على الممكن والمتاح من قدراته الذات

استغل الفكر النسوي المؤسسات الدولية العالمية لتحقيق استراتيجية الأيدلوجية المغرضة فالقرارات التي تتخذها الأمم المتحدة بشأن المرأة والتي تعبر عن مصالح الفكر النسوي الغربي تبرز للعالم على أنها المعبرة عن مصالح المجتمع الدولي؛ حتى أن عبارة المجتمع الدولي صارت هي العبارة التي تمنح الشرعية لكل الأفكار التي تعبرعن مصالح الفكر النسوي الغربي " الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية (المجتمع المصري أنموذجاً -خالد قطب ،2009 : ص 14)

هل تؤيد عمل المرأة عن بعد؟





اشترك و احصل علي جديد الموقع


-

مكتبة المركز

عبارة عن مكتبة شاملة لكل ما يخص المرأة احتوت على ثمانية آلاف كتاب من الكتب التي تحدثت عن المرأة بمختلف التخصصات.


الأسرة وأزمة الإعاقة العقلية.
الكاتب :محمد السيد حلاوة.

التلفزيون والمرأة دوره في تلبية احتياجاتها التربوية
الكاتب :د. منى حسين

سيكولوجية المرأة
الكاتب : باسمة كيَال.

التربية الحركية في رياض الأطفال (المفاهيم النظرية – المهارات الأساسية – البرامج والقياس).
الكاتب : الدكتورة / دلال فتحي عيد.

9004982


زائر